فصل: الحديث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يدْفن فِي كل قبر إِلَّا وَاحِدًا».
هَذَا صَحِيح مَعْرُوف فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَأمر بذلك. قلت: لَا يحضرني نَص فِي ذَلِك، بل هُوَ الظَّاهِر من فعله بِأَصْحَابِهِ.

.الحديث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للْأَنْصَار يَوْم أحد: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا، وَاجْعَلُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر الْوَاحِد، وَقدمُوا أَكْثَرهم قُرْآنًا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي الْجُزْء قبله، وَهُوَ الحَدِيث السِّتُّونَ مِنْهُ.

.الحديث الخَامِس بعد الثَّمَانِينَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لِأَن يجلس أحدكُم عَلَى جَمْرَة، فتحرق ثِيَابه، فتخلص إِلَى جلده: خير لَهُ من أَن يجلس عَلَى قبر».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِهَذَا اللَّفْظ، وَقد تقدم فِي الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين النَّهْي عَن الْقعُود عَلَيْهِ أَيْضا.

.الحديث السَّادِس بعد الثَّمَانِينَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق كَثِيرَة.
أَحدهَا: من طَرِيق: بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «قد كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه، فزوروها فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة». رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ.
وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بلفظين: أَحدهمَا: «إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث: عَن زِيَارَة الْقُبُور، وَعَن لُحُوم الْأَضَاحِي أَن تبقوها فَوق ثَلَاثَة أَيَّام، وَعَن الظروف إِلَّا مَا كَانَ سقاءٍ، فقد رخص لمحمدٍ فِي زِيَارَة قبر أمه».
الثَّانِي: «إِنِّي اسْتَأْذَنت فِي الاسْتِغْفَار لأمي فَلم يَأْذَن لي، فَدَمَعَتْ عَيْني رَحْمَة لَهَا من النَّار، وَإِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث: عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، ولتزدكم زيارتها خيرا...» وَذكر بَاقِي الحَدِيث. وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِلَفْظ: «إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزورها، ولتردكم زيارتها خيرا». ثمَّ قَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَاهُ أَيْضا فِي مَنَاقِب النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من مُسْتَدْركه بِلَفْظ: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام زار قبر أمه فِي ألف مقنع، فَمَا رُئي باكيًا أَكثر من ذَلِك الْيَوْم». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ، إِنَّمَا أخرج مُسلم وَحده حَدِيث محَارب بن دثار، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه: «اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي الاسْتِغْفَار، فَلم يُؤذن لي».
قلت: لم يخرج مُسلم هَذَا اللَّفْظ من حَدِيث بُرَيْدَة هَذَا؛ إِنَّمَا أخرجه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا ستعلمه بعد هَذَا، وَلَفظه فِي حَدِيث بُرَيْدَة: «نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها...» الحَدِيث، وَأغْرب من هَذَا قَوْله فِي الْجَنَائِز من مُسْتَدْركه لما أخرج حَدِيث بُرَيْدَة: «كنت نَهَيْتُكُمْ» كَمَا سقناه: إنّ هَذَا الحَدِيث مخرج فِي الْكِتَابَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ لِلشَّيْخَيْنِ. وَقد عرفت أَنه من أَفْرَاده، كَمَا قَالَه مرّة أُخْرَى.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم زار قبر أمه، فَبَكَى؛ وأبكى من حوله، فَقَالَ: اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا، فَلم يُؤذن لي، واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها، فَأذن لي، فزوروا الْقُبُور؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت». رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ، وَلم يَقع فِي رِوَايَة عبد الغافر الْفَارِسِي، وَوَقع لغيره من الروَاة عَن الجلودي، وَعَزاهُ إِلَى مُسلم: الْبَيْهَقِيّ، وَعبد الْحق، وَالْمُنْذِرِي، وَغَيرهم، وَأما الْحَاكِم فاستدركه وَقَالَ: إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا بِلَفْظ: «زوروا الْقُبُور؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة».
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا تزهد فِي الدُّنْيَا وتذكر فِي الْآخِرَة». رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَفِيه أَيُّوب بن هَانِئ ضعفه ابْن معِين، وَقواهُ أَبُو حَاتِم، وَاقْتصر الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي عَلَى مقَالَة ابْن معِين. وَقَالَ فِي الكاشف: إِنَّه صَدُوق. وَلم يذكر غير ذَلِك، وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ.
الطَّرِيق الرَّابِع: من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا عِبْرَة». رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك، لَكِن قَالَ بدل: «فَإِنَّهَا عِبْرَة»: «وَلَا تَقولُوا هجرًا». وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فَإِن زرتموها فَلَا تَقولُوا هجرًا».
الطَّرِيق الْخَامِس: من حَدِيث أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «نهيت عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت». رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، وَفِيه يَحْيَى الجابر، وَقد ضعَّفوه كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين مِنْهُ. ثمَّ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق آخر جيد، عَن أنس بِلَفْظ: «نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور، فزوروها، فَإِنَّهَا ترق الْقلب، وتدمع الْعين، وتذكركم الْآخِرَة، وَلَا تَقولُوا هجرًا». وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ.
الطَّرِيق السَّادِس: من حَدِيث أبي ذَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم:
«زر الْقُبُور، تذكر بهَا الْآخِرَة». رَوَاهُ الْحَاكِم هُنَا، وفِي بَاب الرقَاق من مُسْتَدْركه، وَقَالَ هُنَا: رُوَاته عَن آخِرهم ثِقَات.
قلت: لَكِن فِي سَنَده يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ واه، وَيَحْيَى بن سعيد عَن أبي مُسلم الْخَولَانِيّ، وَيَحْيَى لم يدْرك أَبَا مُسلم، فَهُوَ مُنْقَطع، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي اختصاره للمستدرك: أَبُو مُسلم هَذَا رجل مَجْهُول، وَالْخَبَر مُنكر.
الطَّرِيق السَّابِع: من حَدِيث عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ نهَى عَن زِيَارَة الْقُبُور، ثمَّ قَالَ: إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زيارتها؛ فزوروها؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة». رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَلّي بن يزِيد، عَن ربيعَة بن النَّابِغَة، عَن أَبِيه، عَن عَلّي بِهِ. قَالَ البُخَارِيّ: ربيعَة بن النَّابِغَة، عَن أَبِيه عَن عَلّي لَا يَصح حَدِيثه.
قَالَ الْحَاكِم: قد استقصيت عَلَى الْحَث عَلَى زِيَارَة الْقُبُور تحريًا للمشاركة فِي التَّرْغِيب، وليعلم الشحيح بِدِينِهِ أَنَّهَا سنة مسنونة.

.الحديث السَّابِع بعد الثَّمَانِينَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن زاورات الْقُبُور».
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث عمر بن أبي سَلمَة، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن زوارات الْقُبُور». رَوَاهُ أَحْمد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: وَعمر هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق، وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بِهِ. وَوَثَّقَهُ غَيرهمَا، وَصَححهُ ابْن حبَان، وَلَفظه: «لعن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم زائرات الْقُبُور». قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رَأَى بعض أهل الْعلم أَن هَذَا قبل أَن يرخص النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي زِيَارَة الْقُبُور، فَلَمَّا رخص دخل فِي رخصته الرِّجَال والنساءُ، قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا كره زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء لقلَّة صبرهن وَكَثْرَة جزعهن.
قلت: وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ عَلَى أَن النِّسَاء دخلن فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور» وَالْمُخْتَار عِنْد أَصْحَابنَا عدم دخولهن فِي ضمير الرِّجَال، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي «إِعْلَامه» جوز جعل هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخا بِحَدِيث: «كنت نَهَيْتُكُمْ»، وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الأول.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث حسان بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لعن زوارات الْقُبُور» رَوَاهُ أَحْمد، وَابْن مَاجَه، وَالْحَاكِم، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن حسان بن ثَابت، وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما.
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ: «لعن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم زوارات الْقُبُور، والمتخذات عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج». رَوَاهُ أَحْمد، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه، وَاخْتلف كَلَام الْحفاظ فِي أبي صَالح هَذَا: هَل هُوَ باذام مولَى أم هَانِئ الضَّعِيف، أَو ذكْوَان السمان الرواي عَن أبي هُرَيْرَة، الثِّقَة المحتج بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أم غَيرهمَا، فَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه: أَبُو صَالح هَذَا اسْمه ميزَان، بَصرِي ثِقَة، لَيْسَ بِصَاحِب الْكَلْبِيّ، ذَاك اسْمه باذام. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فِي صَحِيحه فِي حَدِيث أبي صَالح عَن عَمْرو بن الْعَاصِ رَفعه فِي النَّهْي عَن الدُّخُول عَلَى المغيبات: أَبُو صَالح هَذَا اسْمه ميزَان، من اهل الْبَصْرَة، ثِقَة سمع ابْن عَبَّاس، وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَرَوَى عَنهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَمُحَمّد بن جحادة، مَا رَوَى عَنهُ غير هذَيْن.
قلت: بل رَوَى عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ، وَابْن أَخِيه عمار بن مُحَمَّد، وَمَالك بن مغول. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِصَاحِب الْكَلْبِيّ، ذَاك واهي ضَعِيف. وَخَالف فِي ذَلِك جماعات، مِنْهُم الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، فَإِنَّهُ قَالَ بعد أَن رَوَاهُ: أَبُو صَالح هَذَا لَيْسَ بالسمان المحتج بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ باذان، وَلم يحْتَج بِهِ الشَّيْخَانِ، لكنه حَدِيث متداول فِيمَا بَين الْأَئِمَّة، قَالَ: وَقد وجدت لَهُ مُتَابعًا من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ فِي متن الحَدِيث، فخرجته. ثمَّ ذكر حَدِيث حسان السالف. وَمِنْهُم ابْن عَسَاكِر؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي أَطْرَافه فِي تَرْجَمته، ثمَّ رَوَاهُ عَلَى بن مُسلم الطوسي، عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، عَن شُعْبَة، عَن مُحَمَّد بن جحادة، سَمِعت أَبَا صَالح مولَى أم هَانِئ. وَمِنْهُم عبد الْحق؛ فَإِنَّهُ لما ذكره عقبه بِأَن قَالَ: هَذَا يرويهِ أَبُو صَالح صَاحب الْكَلْبِيّ، وَهُوَ عِنْدهم ضَعِيف جدا، وَأنكر هَذِه الْعبارَة عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَال مثلهَا فِي الْوَاقِدِيّ وَنَحْوه من المتروكين الْمجمع عَلَيْهِم، وَأما أَبُو صَالح هَذَا فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَد، وَلَا من هَذَا النمط، وَلَا أَقُول إِنَّه ثِقَة، لكني أَقُول: إِنَّه لَيْسَ كَمَا توهمه هَذِه الْعبارَة، بل قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: سَمِعت يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان يَقُول: لم أر أحدا من أَصْحَابنَا تَركه، وَمَا سَمِعت أحدا من النَّاس يَقُول فِيهِ شَيْئا وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: إِذا رَوَى عَنهُ غير الْكَلْبِيّ لَا بَأْس بِهِ. وَقد أسلفنا تَرْجَمَة أبي صَالح مستوفاة فِي بَاب الإحداث، فَرَاجعهَا من ثمَّ. وَمِنْهُم الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُخْتَصره لسنن أبي دَاوُد عقب قَول التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حَدِيث حسن:
فِيهِ نظر، فَإِن فِي إِسْنَاده أَبُو صَالح، وَهُوَ باذام، وَيُقَال: باذان، مكي، مولَى أم هَانِئ بنت أبي طَالب، وَهُوَ صَاحب الْكَلْبِيّ، وَقد قيل: إِنَّه لم يسمع من ابْن عَبَّاس شَيْئا، وَقد تكلم فِيهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة، وَقَالَ ابْن عدي: لم أر أحدا من الْمُتَقَدِّمين رضيه. وَقد نقل عَن يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَغَيره تَحْسِين أمره، فَلَعَلَّهُ يُرِيد: رضيه حجَّة، أَو قَالَ: هُوَ ثِقَة. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي موافقاته. وَمِنْهُم النَّوَوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي خلاصته: هَذَا الحَدِيث حسنه التِّرْمِذِيّ، وَسكت عَنهُ أَبُو دَاوُد فَلم يُضعفهُ، وَأَبُو صَالح هَذَا هُوَ باذام، وَاخْتلفُوا فِيهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يحْتَج بِهِ. وَمِنْهُم ابْن دحْيَة فِي كتاب مرج الْبَحْرين، فَإِنَّهُ قَالَ عقيب تَحْسِين التِّرْمِذِيّ لَهُ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح من هَذَا الْوَجْه، وَلَا من غَيره؛ لأجل أبي صَالح باذان أَو باذام. قَالَ الْأَزْدِيّ: كَذَّاب وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي أَطْرَافه فِي تَرْجَمَة أبي صَالح باذام، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الْحسن بن السكين الْبَلَدِي عَن يعلي بن عباد الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة وَالْحسن بن أبي جَعْفَر، وَالْحسن بن دِينَار، وَأبي الرّبيع السمان، وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن مصرف، كلهم عَن مُحَمَّد بن جحادة، عَن أبي صَالح السمان، عَن ابْن عَبَّاس.

.الحديث الثَّامِن بعد الثَّمَانِينَ:

قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالسّنة أَن يَقُول الزائر: «سَلام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم، وَلَا تفتنا بعدهمْ».
هُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى الْمقْبرَة، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وَإِنَّا أَن شَاءَ الله بكم لاحقون». وَفِيه أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كلما كَانَت لَيْلَتهَا مِنْهُ يخرج من آخر اللَّيْل إِلَى البقيع، فَيَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وأتاكم مَا توعدون، غَدا مؤجلون، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ اغْفِر لأهل بَقِيع الْغَرْقَد». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا هَذَا عِنْد زِيَارَة البقيع: السَّلَام عَلَى أهل الديار من الْمُسلمين وَالْمُؤمنِينَ، وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا والمستأخرين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون». وَفِيه أَيْضا من حَدِيث بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلمهُمْ إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر فَكَانَ قَائِلهمْ يَقُول: السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون، أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة». زَاد النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه: «أَنْتُم لنا فرط، وَنحن لكم تبع».
وَفِي السّنَن الثَّلَاثَة سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى الْمقْبرَة، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون». وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «مر رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِقبُول الْمَدِينَة، فَأقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور، يغْفر الله لنا وَلكم، أَنْتُم سلفنا، وَنحن بالأثر». قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَفِي كتاب ابْن السّني عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى البقيع؛ فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين، أَنْتُم لنا فرط، وَإِن بكم لاحقون، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم، وَلَا تضلنا بعدهمْ».

.الحديث التَّاسِع بعد الثَّمَانِينَ:

رُوِيَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من عزى مصابًا فَلهُ مثل أجره».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه، وَابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم حَدثنَا وَالله مُحَمَّد بن سوقة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضا مَوْقُوفا. قَالَ: وَيُقَال: أَكثر مَا ابْتُلِيَ بِهِ عَلّي بن عَاصِم بِهَذَا الحَدِيث، نقموا عَلَيْهِ.
قلت: وَقَالَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا: عَلّي بن عَاصِم من أهل الحَدِيث لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث، عابوا عَلَيْهِ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن سوقة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عبد الله: «من عزى مصابًا» وَقيل لوكيع: إِن عَلّي بن عَاصِم غلط فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: حَدِيث مُحَمَّد بن سوقة، فَقَالَ وَكِيع: أَنا إِسْرَائِيل، عَن مُحَمَّد بن سوقة، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن عبد الله بن مَسْعُود... فَذكره. قَالَ ابْن عدي: والضعف عَلَى حَدِيثه بَين. وَقَالَ يَحْيَى بن جَعْفَر: كَانَ يجلس عِنْد عَلّي بن عَاصِم ثَلَاثُونَ ألفا، وَكَانَ يجلس عَلَى سطح، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة مستملين. وَقَالَ أَبُو عَلّي المفلوج: رَأَيْت النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يرَى النَّائِم، وَأَبُو بكر عَن يَمِينه، وعمر عَن شِمَاله، وَعُثْمَان أَمَامه، وَعلي خَلفه، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة والسَّلَام: أَيْن عَلّي بن عَاصِم؟ أَيْن عَلّي بن عَاصِم؟ فجيء بِهِ، فَقبل بَين عَيْنَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَحييت سنتي. قَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّهُم يَقُولُونَ: غلط فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود: «من عزى مصابا فَلهُ مثل أجره». فَقَالَ لنا: حدثت ابْن مَسْعُود، وَابْن مَسْعُود حدث الْأسود بن يزِيد، وَالْأسود بن يزِيد حدث إِبْرَاهِيم، وَإِبْرَاهِيم حدث مُحَمَّد بن سوقة، وَعلي بن عَاصِم صَدُوق؛ صدق عَلّي بن عَاصِم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ عَلّي بن عَاصِم، وَهُوَ أحد مَا أنكر عَلَيْهِ، قَالَ: وَيروَى أَيْضا عَن غَيره.
قلت: إِذا رُوِيَ عَن غَيره فَلم ينْفَرد بِهِ، وَقد رَوَاهُ جماعات غَيره:
أحدهم: إِسْرَائِيل، كَمَا سلف، وَقد سَاقه كَمَا أسلفناه عَنهُ صَاحب والكمال.
وثانيهم: الثَّوْريّ، رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن سوقة: «من عزى مصابًا كَانَ لَهُ مثل أجره».
ثالثهم: شُعْبَة رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن سوقة: «من عزى مصابًا لَهُ مثل أجره». ذكرهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته وَقَالَ: هما طَرِيقَانِ لَا يصحان، تفرد بِالْأولِ حَمَّاد بن الْوَلِيد عَن الثَّوْريّ، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ يسرق الحَدِيث، وَيلْزق بالثقات مَا لَيْسَ من حَدِيثهمْ، لَا يحْتَج بِهِ بِحَال. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَتفرد بِالثَّانِي نصر بن حَمَّاد عَن شُعْبَة، قَالَ يَحْيَى: كَذَّاب وَقَالَ مُسلم: ذَاهِب الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَذكر أَيْضا فِي مَوْضُوعَاته طَرِيق عَلّي بن عَاصِم السالفة، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تصح. قَالَ: وَقد تفرد بِهِ عَن مُحَمَّد بن سوقة، وَقد كذبه شُعْبَة وَيزِيد بن هَارُون وَيَحْيَى بن معِين.
وَقَالَ فِي تَحْقِيقه: هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ حَمَّاد بن الْوَلِيد عَن الثَّوْريّ، وَهُوَ ضَعِيف جدا. قَالَ: وَقد رُوِيَ من طرق لَا تثبت. وَقَالَ ابْن عدي: قد رَوَى هَذَا الحَدِيث مَعَ عَلّي بن عَاصِم عَن ابْن سوقة: مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة، وَعبد الرَّحْمَن بن مَالك بن مغول.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة رَابِعَة وخامسة. قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن: الثَّوْريّ، وَإِسْرَائِيل، وَقيس، وَغَيرهم عَن ابْن سوقة.
قلت: وَقيس مُتَابعَة سادسة. قَالَ: وَمِنْهُم من يزِيد فِي الْإِسْنَاد عَلْقَمَة، وَأنكر النَّاس عَلَى عَلّي بن عَاصِم حَدِيث ابْن سوقة هَذَا، قَالَ: والضعف عَلَى حَدِيث عَلّي بَين. وَقَالَ الْخَطِيب: قد رَوَى حَدِيث ابْن سوقة عبد الحكم بن مَنْصُور مِثْلَمَا رَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة سابعة. قَالَ: وَرُوِيَ كَذَلِك عَن: سُفْيَان الثَّوْريّ، وَشعْبَة، وَإِسْرَائِيل، وَمُحَمّد بن الْفضل بن عَطِيَّة، وَعبد الرَّحْمَن بن مَالك بن مغول، والْحَارث بن عمرَان الْجَعْفَرِي كلهم عَن ابْن سوقة.
قلت: والْحَارث مُتَابعَة ثامنة. قَالَ: وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا ثَابتا.
قلت: وَله شَاهد من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «من عزى مصابًا فَلهُ مثل أجره». لكنه شَاهد واه، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته، وَقَالَ: مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْعَرْزَمِي، قَالَ يَحْيَى: لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث.

.الحديث التِّسْعُونَ:

رُوِيَ «أَنه لما جَاءَ نعي جَعْفَر الصَّادِق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَام؛ فقد جَاءَهُم أَمر يشغلهم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَأحمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ، من رِوَايَة جَعْفَر بن خَالِد- هُوَ ابْن سارة- عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: «لما جَاءَ نعي جَعْفَر قَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما؛ فَإِنَّهُ قد جَاءَهُم مَا يشغلهم». قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ بعد ذَلِك: وجعفر بن خَالِد هُوَ ابْن سارة، وَهُوَ ثِقَة، رَوَى عَنهُ ابْن جريج. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لِأَن خَالِد بن سارة لَا يعرف حَاله، وَرَوَى عَنهُ ابْنه، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح قَالَه البخاريُّ، وَأَهْمَلَهُ ابْن أبي حَاتِم كَسَائِر من يجهل أَحْوَالهم. قَالَ: وَلَا أعلم لَهُ إِلَّا حديثين، أَحدهمَا هَذَا، والأخر «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمل غلامين من بني عبد الْمطلب عَلَى دَابَّة». رَوَاهُ أَيْضا جَعْفَر، عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن جَعْفَر كَذَلِك.
قلت: لَكِن خَالِد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن حبَان، فَإِنَّهُ ذكره فِي ثقاته، فَزَالَتْ عَنهُ إِذن جَهَالَة الْعين وَالْحَال، وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من طَرِيقه قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وخَالِد بن جَعْفَر بن سارة المَخْزُومِي من أكَابِر مَشَايِخ قُرَيْش، وَهُوَ كَمَا قَالَ شُعْبَة: اكتُبوا عَن الْأَشْرَاف؛ فَإِنَّهُم لَا يكذبُون. قَالَ: وَقد رُوِيَ غير هَذَا الحَدِيث مُفَسرًا. ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن جَعْفَر قَالَ: «مسح رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي- قَالَ: أَظُنهُ قَالَ: ثَلَاثًا- كلما مسح قَالَ: اللَّهُمَّ أخلف جعفرًا فِي وَلَده». قَالَ الْحَاكِم: قد أَتَى جَعْفَر بن خَالِد بشيئين عزيزين، أَحدهمَا مسح رَأس الْيَتِيم، وَالْآخر تفقد أهل الْمُصِيبَة بِمَا يتقوتون ليلتهم، وفقنا الله لاستعماله بمنه. وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح وَقَالَ: «جَاءَهُم أَمر أشغلهم». قلت: وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث أَسمَاء بنت عُمَيْس، رَوَاهُ أَحْمد، وَالطَّبَرَانِيّ، وَابْن مَاجَه عَنْهَا: «لما أُصِيب جَعْفَر رَجَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى أَهله فَقَالَ: إِن أهل جَعْفَر قد شغلوا بشأن ميتهم، فَاصْنَعُوا لَهُم طَعَاما».
فَائِدَة: النعي: بِكَسْر الْعين مُشَدّدَة الْيَاء وبإسكانها مُخَفّفَة، قَالَ الْجَوْهَرِي: النعي: خبر الْمَوْت، يُقَال: نعاه لَهُ نَعْيًا ونُعيانًا- بِالضَّمِّ- وَكَذَلِكَ النعي عَلَى فعل، يُقَال: جَاءَ نعي فلَان، والنعي أَيْضا الناعي، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت، وَقَالَ صَاحب الْمطَالع: نعي أبي سُفْيَان بِإِسْكَان الْعين وبكسرها وَتَشْديد الْيَاء وَقَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه تصاحيف الروَاة: النعيّ: بتَشْديد الْيَاء الِاسْم، فَأَما النعْيُ: فَهُوَ مصدر نَعيتُ الْمَيِّت أَنعَاةُ، قَالَ ابْن بري: النعْي قد يَأْتِي بِمَعْنى النعيّ، فَيُقَال: قد أَتَى نَعْيُه أَي: نَعِيُّه، والنعي: الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَيِّت، والنعي أَيْضا: الْمَيِّت نَفسه.
فَائِدَة ثَانِيَة: يشغلهم: بِفَتْح الْيَاء، وحُكى ضمُّها، وَهُوَ شَاذ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب: «يشغلهم عَنهُ»، وَالَّذِي رَأَيْته فِي كتب الحَدِيث: «يشغلهم» بِحَذْف «عَنهُ».
فَائِدَة ثَالِثَة: كَانَ قتل جَعْفَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي جماد سنة ثَمَان من الْهِجْرَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِالشَّام عِنْد الكرك، رَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عمر قَالَ: «كنت فِي غَزْوَة مُؤْتَة، فالتمسنا جعفرًا فوجدناه فِي الْقَتْلَى، وَوجدنَا فِي جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فعددت بِهِ خمسين بَين طعنة وضربة لَيْسَ فِيهَا شَيْء فِي دبره».

.الحديث الحَادِي بعد التسعين:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي مسنديهما، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث جَابر بن عتِيك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جَاءَ يعود عبد الله بن ثَابت، فَوَجَدَهُ قد غلب، فصاح بِهِ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يجبهُ، فَاسْتَرْجع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: فلنا عَلَيْك يَا أَبَا الرّبيع. فصاح النسْوَة وبكين، فَجعل ابْن عتِيك يسكتهن؛ فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: دَعْهُنَّ، فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية، قَالُوا: يَا رَسُول الله، وَمَا الْوُجُوب؟ قَالَ: الْمَوْت». وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، رُوَاته مدنيون قرشيون. وللنسائي فِي بعض الرِّوَايَات من غير حَدِيث مَالك عَن جبر: «أَنه دخل مَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» الحَدِيث. قَالَ ابْن عَسَاكِر: وَحَدِيث مَالك أشهر، وَمَعْنى «وَجَبت»: خرجت روحه.

.الحديث الثَّانِي بعد التسعين:

«أَنه عَلَيْهِ السَّلَام جعل ابْنه إِبْرَاهِيم فِي حجره وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، فذرفت عَيناهُ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّهَا رَحْمَة، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء، ثمَّ قَالَ: الْعين تَدْمَع، وَالْقلب يحزن، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا».
هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «دخلت مَعَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أبي سيف الْقَيْن وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَأخذ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِبْرَاهِيم فَقبله وشمَّه، ثمَّ دَخَلنَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ، فَجعلت عينا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: وَأَنت يَا رَسُول الله؟! فَقَالَ: يَا ابْن عَوْف، إِنَّهَا رَحْمَة، ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِن الْعين تَدْمَع، وَالْقلب يحزن، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ».
الْقَيْن: الحدّاد، والظِّئْر: بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة زوج الْمُرضعَة. وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي عوَانَة، عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن عَطاء، عَن جَابر قَالَ: «خرج النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى النّخل، فَإِذا ابْنه إِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ؛ فَوَضعه فِي حجره، فَفَاضَتْ عَيناهُ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: اتبكي وَأَنت تنْهَى النَّاس؟! فَقَالَ: إِنِّي لم أَنه عَن الْبكاء، إِنَّمَا نهيت عَن النوح، صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فاجرين: صَوت عِنْد نعْمَة لَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان، وَصَوت عِنْد معصيه خَمْش وُجُوه، وشق جُيُوب، ورنَّة، وَهَذَا هُوَ رَحْمَة، وَمن لَا يرحم لَا يرحم، يَا إِبْرَاهِيم، لَوْلَا أَنه أَمر حق، ووعد صدق، وَأَن آخِرنَا سيلحق بأولنا؛ لحزنا عَلَيْك حزنا هُوَ أَشد من هَذَا، وَإِنَّا بك لمحزنون، تبْكي الْعين، ويحزن الْقلب، وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب». وَخرج التِّرْمِذِيّ بعضه وَحسنه، وَقد عرفت أَنه من رِوَايَة ابْن أبي لَيْلَى، وَهُوَ ضَعِيف وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد «أَن بِنْتا لرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْسلت إِلَيْهِ أَن ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت، فَقَالَ للرسول: ارْجع إِلَيْهَا واقرأ عَلَيْهَا قل: إِن لله مَا أَخذ، وَله مَا أعْطى، وكل شَيْء عِنْده إِلَى أجل. فَأرْسلت تقسم عَلَيْهِ، فَأَتَاهَا، فَوضع الصَّبِي فِي حجره وَنَفسه تتقعقع؛ فَفَاضَتْ عَيناهُ، فَقَالَ لَهُ سعد: مَا هَذَا؟! قَالَ: إِنَّهَا رَحْمَة يَضَعهَا الله فِي قُلُوب من يَشَاء، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء».
فَائِدَة: مَعْنَى «يجود بِنَفسِهِ»: يُخرجهَا، وَالَّذِي يجود بِمَالِه فيخرجه، ومصدره عَلَى وزن فعول. و«ذرفت»- بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة- أَي: سَالَتْ، يُقَال: ذرف يذرف ذرفًا، كضرب يضْرب ضربا.
«وَغسل إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْفضل بن الْعَبَّاس، وَرَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْعَبَّاس، وَجعل عَلَى سَرِير، وَنزل فِي قَبره الْفضل وَأُسَامَة بن زيد». كَذَا سَاقه أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة بِسَنَدِهِ، فِي تَرْجَمَة سِيرِين الْقبْطِيَّة أُخْت مَارِيَة.